الثلاثاء، مارس ١٥، ٢٠١٦

أبنائي الأعزاء

ابني العزيز .. ابنتي العزيزة

كتابي هذا لكم ولجيلكم ... عسى أن تهتدوا به حينما تختفي العقول

أدعي أن جيلي من أكثر الأجيال حظاً .. فنحن جيلٌ رَمادي اللون .. جيلٌ بين جيلين .. يرى ويراقِب ولكنه لا يؤثر في الأحداث .. لا يملك حتى حق التغيير .. يحمل جميع هموم من سبقوه ويبكي مستقبل أولاده ... يبكي الحسين كما لو أنه هو الذي قتله .. ويبكي ضياع غِرناطة كما لو أنه من بني الأحمر .... يبكي القدس والأقصى ويمني نفسه أن صلاح الدين سيعود .. جيلي عاصر التطور - متلقياً غير مستحدثاً - بدءاً من مزياع ببكرتين وحبل للقنوات القليلة - مروراً بظهور الحاسوب وما تبعه من تطور تكنولوجي هائل مازال متسارعا كالبرق..


رأينا بأعيننا رموز الجيل السابق وشاركنا في وداعها وحفلات تأبينها من الشيخ الشعراوي والبابا شنودة والإمام الغزالي والشيخ الحصري والشيخ الذهبي وعبد الباسط عبد الصمد وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ونجيب محفوظ وأم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ومصطفى مشرفة ويحي المشد وجمال حمدان وهناك رموز لم تزل حاضرة وتتبع جيلٌ مضى ولكنها نبغت خارج حدود الوطن.

أحداث جيلنا كلها سريعة كأن الزمن يتسابق في أن يزيدنا حيرة .. رأينا مجد بغداد وتتار الزمن الحديث وهي تدك حصونها .. رأينا ألمانيا الجزئين تلتئم وتصير كياناً واحداً ورأينا السودان تنقسم إلى شطرين .. رأينا إتحاد دول أوربا وفتحهم للحدود بينهم ... ورأينا العراق تحارب الكويت التي بدورها لجأت للتتار لتحميها ... ورأينا فلسطين يتمزق فستانها قطعة تلو قطعة لتظهر عورتنا للعالم ... رأينا مراكش ووهران تدير ظهرها وتولي وجهها شطر الأطلسي ثقافة وشعباً .. ورأينا طشقند وبخارى واسلام أباد وهي تدير ظهرها وتولي وجهها شطر المارد الأصفر
صرنا كبحيرة آسنة مياهها .. ألقي في مركزها ومصرها صخرة فتشتت موجاتها في كل صوب.


أبنائي .. منذ ما يقارب الألف عام سقطت غرناطة .. آخر ما كان لنا في الأندلس، وكأنها كانت شرارة البدأ لتحطيم الكيان .. من وقتها وكل لحظة تسقط غرناطة جديدة ثم نستعيدها وجهاً مشوها ثم تعود فتسقط للأبد .. هكذا حالنا منذ سقطت غرناطة .. من بعدها صرنا كالجيفة تتقاتل علينا الضباع .. تأتي التتار وتذهب وتأتي وتذهب بأشكال متغيرة لها ذات العقول ونفس الهدف .. تفتتنا .. تحتلنا .. تكشف عوراتنا وتستحي نساءنا .. تستبيح خيراتنا وما تبقى من عقولنا .. وعندما ننتهي .. وعندما ننزوي نبكي الوجع الدامع والشعب الجائع والشرف الضائع .. تتركنا نثور ونصيح كخوار ثور ذبيح .. تتركنا نخرج ما في جعبتنا من بقايا بقايا القوة .. تتركنا نشعر ببطولة زائفة ونختال بأننا إسترددنا الشرف .. ننظر تحت أقدامنا منحصرين في المساحة المحدودة المرتدة بآثار القدم .. تنحصر عيوننا وتضمر عن رؤية مكسبهم في كثرة وتعدد المساحات المنقسمة .. والتشتت الفوضوي داخل كل مساحة قدم .. إنقسمت الدولة العظيمة أو ما تبقى منها الى دويلات ثم بدأ الترتيب لزيادة التفتيت وتنمية الروح القومية والعصبية القبلية للدويلة المستحدثة .. ففقدت مصر - على سبيل المثال لا الحصر – جنوبها المغذي وهو السودان ثم تفتت السودان الى شمال وجنوب .. ثم تصاعدت الخطوات وبدخول العلم والدراسات بدأت الصورة تتخذ شكلاً آخر أكثر خبث وبشاعة .. لم يعد التفتيت والتشتيت بالمعول الصريح .. بل أعطونا المعاول وراهنوا على غبائنا التاريخي .. راهنوا على هواننا وضعفنا وتحكم شهواتنا .. راهنوا على عقولنا المغيبة وزاكرتنا الممحاة وأحلامنا المشوهة .. وصرنا نحن كعصر المماليك والفراعين وكل الإرث اللعين .. نَنْصِبُ حكاما ونَخِرُ لهم ساجدين .. كشأن السامري نحن نصنع عجلنا المقدس إلهنا المفدى .. وبالروح والدم نفديك يا مدير .. يا وزير .. يا رئيس .. يا ملك .. يا إله ...... والإعتراض .. كفر بالإله .. مصيره محاكم التفتيش وحرق الساحرات


أبنائي .. كي تحل الأحاجي لابد من إعمال العقل .. لابد من دراسة الماضي وما في الحاضر ..


وللحديث تواصل طالما النفس متواصل

عماد ممدوح

القاهرة فبراير 2015

ليست هناك تعليقات: