الأحد، يونيو ١٥، ٢٠٠٨

فوق السطوح


فوق السطوح
بكائية طفل



كان لدينا سطح منزل بمثابة ملعب كبير ... كان متسعا أمامنا كالدنيا ..وكنا خمسة أطفال ... جيران ... أصدقاء ... نعود من مدارسنا ... نرمي شنطنا ونرمي همومنا وناخد سندوتشاتنا ونجري عليه سابقانا ضحكتنا الصافية .... البسيطة ... الطيبة – يااه ... قد إيه كانت حلوة الحياة – وعلى قد تفكيرنا كانت ألعابنا ... مرة نبني بيوت وخيم وكله من خير السطح والبيوت ... ونزور بعضينا في البيوت اللي بنيناها بإيدينا .... ومرة نبني عربيات ونتفنن في أشكالها ونتسابق وإحنا في مكانا ... كانوا خمس عربيات ما بيتحركوش بس بيلفوا الدنيا كلها في ثواني ... ومرات نبني أسواق ومحلات ونبيع لبعض ونشتري .... الطوب الأحمر ممكن يبقى لحمة أو طماطم على حسب التقطيع وساعات يبقى شطة ناعمة عند العطار وورق الجرايد فلوسنا ... ومرة نبني أفران – مجرد طوبتين من الطوب الأحمر وعليهم صاجة وتحتيها شوية ورق لزوم النار وشوية دقيق من المطابخ ونعمل قطايف ونبيعها لبعض.
ومن أجمل الحاجات في سطح بيتنا لما كنا نطلع كلنا، إحنا وأمهاتنا .. نفرش ملاية على الأرض ويعملولنا الساندوتشات أو نفطر كلنا الفول والطعمية مع بعض والشمس بتغازل عيونا ... نضحك ونفتح عين ونغمض التانية ... هما يشربوا الشاي ويتكلموا مع بعض واحنا كبير و صغير لينا مواضيعنا و ألعابنا ، كانت ضحكة الكل صافية وعفية... كان المدى مفتوح ... ومافيش بيوت حوالينا تجرحنا... كانت جميلة قوي الدنيا.
كان عندنا عشة صغيرة ... الصبح بدري نطلع نفتح للفراخ والديوك وأول الديك الأحمر ما يطلع ينفش نفسه كأنه بيتمطع ويصيح كما لو إن ما فيش في الدنيا غيره ويا سلام لو جيرانا فاتحين عشتهم ... تشوف الخناقات ما بين ديكنا وديكهم ... واكنا بنطلع كل يوم ناخد البيض الطازة وطبعا كل فترة كان بيظهر بياع الكتاكيت اللي بتشاركني غرفتي أو بلكونتي لغاية ما تتأهل للصعود للعشة، ودايما قبل عيد الأضحى كان فيه الخروف أو المعزة اللي مربوطه في السطح وكنا بنطلع نفكها ونمشيها كل يوم ونلعب معاها لغاية ما نعيط عليها يوم العيد .... أذكر في إحدى المرات إرتبطت جدا بمعزة لدرجة إني حلفت إني مستحيل اكل من لحمتها وما أكلتش في العيد ولا حتة لحمة ..
ومرت السنين ... مرت زي البلدوزر ... مسحت كل حاجة تحتيها ... هركتها وشوهتها وما كنتش أعرف إن الزمن قاسي قوي كده....!
طلعت سطح بيتنا وقعدت على أرضه وبصيت حواليه وفي لحظة إفتكرت لعبي وصحابي وسمعت ضحكتي وضحكتهم ... بصيت مالقيتش الأطفال الخمسة ... فرقتهم الدنيا ... منهم اللي خدته الدنيا وفارقنا في الصبا الى مكان اخر ومنهم اللي بأشوفة في السنة – إن حالفني الحظ – مرة .
السطح بات كعجوز مسكين ... البيوت حواليه بقت عاليه ... كتمته .. جرحته ... هتكته.
غابات مرعبة من دوائر أطباق الدش وتعابين من الأسلاك أحاطت بالعجوز المسكين من كل جوانبه ... أصبح السير به ضربا من ضروب المخاطرة فالسير فيه إما منحنيا أو مائلا أو رافعا لإحدى قدميك يعني عايز بهلوان علشان الواحد يعرف يتحرك فيه... العشة صارت مهجورة .. مرعبة ... لم أجد جيرانا يفترشون معي الملاية ولم أجد أصلا مكان للملاية تتفرش فيه...


كنت قديما أظن أن الأماكن والعادات تورث وان الدنيا من طبيعتها ان تستبدل أناس مكان أخرين على أن يتبقى دوما العادات ثابتة لا تتغير فمن الطبيعي – في مخيلتي – أن يلعب أخي مثل لعبي عندما يكون في عمري.
ولكن ناموس الدنيا مختلفا فهي تمحوا وتخفي العادات و الأماكن ولا يبقى حال على حال ... كل شيء يتغير مع الزمن ولا يعيد التاريخ نفسه مرتين .... الحياة كما عرفتها كبلدوزر الطرق يشوه كل شيء أسفله ... يسحقه ... يعيد صياغته بشكل جديد ... يحتمل أن يكون أجمل ولكن في الأغلب أسوأ بكثير أكثر تشويها لأن الدنيا فقدت من يحيي الذكريات.

طويت عيني على مشهد خمسة أطفال يلعبون ... وحشوني صحابي ... وحشني سطحنا ... وحشني أخويا الصغير ....
بكيت ... فقد شاخ سطحنا واحتلته الغابات والثعابين.